Loading...
رئيس مجلس الإدارة
د.حاتم صادق

المصرى اون لاينبوابة خبرية متخصصة

رئيس التحرير
قدري الحجار

اليمن.. والطريق الي ضرب إيران
الدكتور حاتم صادق

الدكتور حاتم صادق

الوضع في اليمن في ظل الضربات الأمريكية المستمرة يعكس تصعيدًا كبيرًا في التوترات الإقليمية، مع تداعيات محتملة تمتد إلى إيران، خاصة بعد تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي تحمل طهران مسؤولية أي تحركات للحوثيين. للتعرف هذا الوضع، يمكننا تقسيمه إلى عدة جوانب: منها الضربات الأمريكية المستمرة على اليمن.. فالولايات المتحدة كثفت عملياتها العسكرية ضد الحوثيين في اليمن منذ بداية هذا العام، بهدف واضح يتمثل في تقويض قدراتهم العسكرية، خاصة تلك التي تهدد الملاحة في البحر الأحمر. هذه الضربات تأتي كرد على هجمات الحوثيين المستمرة على السفن التجارية والعسكرية، والتي بدأت تتصاعد منذ أواخر 2023، حيث أعلن الحوثيون أنها تضامن مع الفلسطينيين في غزة.

فالضربات الأمريكية لم تقتصر على استهداف البنية التحتية العسكرية مثل مواقع الصواريخ والطائرات المسيرة، بل شملت أيضًا قادة بارزين، مما يشير إلى استراتيجية تهدف إلى تفكيك القيادة الحوثية. ومع ذلك، يبدو أن هذه العمليات لم تنجح بعد في وقف الهجمات الحوثية بشكل كامل، بل دفعت الجماعة إلى الرد بتصعيد مضاد، مما يعزز من حالة الحرب المفتوحة في المنطقة.

وهنا علينا ان نتعرف على تأثير الضربات على اليمن لانها السبيل الوحيد للتوصل الي نتائج تلك الخطوة.. فعسكريًا: أضعفت جزئيا قدرات الحوثيين، خاصة فيما يتعلق بأنظمة الرادار والصواريخ، لكن الجماعة أظهرت مرونة كبيرة في استبدال خسائرها، مستفيدة من دعم إيراني مستمر وشبكات تهريب محلية. وسياسيا: الحوثيون يستغلون هذه الضربات لتعزيز شعبيتهم داخليًا، مقدمين أنفسهم كمقاومين للعدوان الأمريكي، مما يعقد أي محاولات لإضعاف قبضتهم على المناطق التي يسيطرون عليها. اما على الصعيد إنساني: اليمن، الذي يعاني أصلًا من أزمة إنسانية حادة، يواجه مخاطر تفاقم الوضع مع استمرار القصف، حيث تتضرر البنية التحتية المدنية وتتعطل طرق الإمدادات.

لذا يجب ان نضع في الحسبان دائما مسألة اليمن المعقد جغرافيا وسياسيا واجتماعيا، وهل يمكن ان تنجح الضربات في هزيمة الحوثيين…الوضع الجغرافي والطبييعة الجبلية لهذا البد تشكل عقبة كؤود امام أي عملية قصف جوي او بحري لها وهي هنا تشبه الي حد ما طبيعة أفغانستان التي فشلت فيها أمريكا عسريكا من قبل وفرت منها امام اعين الجميع بصورة مخزية، وفضلا عن انه من المستحيل القضاء كليا علي قدرة الحوثي الصاروخية علي طرق القصف الجوي، فان أي عملية برية ستكون أيضا ضمن المستحيلا الأربعة ناهيك عن ضعف دور الاستخبارات الإسرائيلية والأمريكية في تحديد بنك اهداف للحوثيين نظرا لتلك الطبيعة الجغرافية.  

حتى بالنسبة الديناميات السياسية والعسكرية، فإن مشهد الحرب الداخلية في اليمن معقد جدًا، مع تصادم أنظمة سلطة متعددة، بما في ذلك الحوثيين الذين يدعمهم إيران، والحكومة اليمنية الرسمية الذين يدعمهم التحالف الذي يقوده السعودية، والقوى المحلية المتنوعة. فأي مشاركة أو تدخل أمريكي قد يعقد المشهد بشكل أكبر وربما يؤدي الي تدحرج الازمة الي حرب اقليمة كبري تجر اليها أطرافا اخري سبق وان خرجت من اليمن باعجوبة، خاصة ان الهدف الحقيقي من الضربات الامريكية متعلق بحرية الملاحة الدولية، والضغط على طهران للتفاوض، ومنح إسرائيل جائزة إضافية بالقضاء على أحد أذرع إيران في المنطقة، بالتالي فان استقرار اليمن سياسيا وعسكريا وامنيا ليس هو الهدف. أي ان الاهتمامات الإقليمية والدولية تستمر في الإثارة لانتباه القوى الإقليمية الكبرى مثل إيران والسعودية وكذلك المصالح الاقتصادية وخطوط التجارة الدولية.

لذلك فان تعريف نجاح الحملة الامريكية يعتمد على أهدافها من هذه الضربات: هل هي لتحقيق الاستقرار السياسي، وقوف انتشار الإرهاب، أو الحصول على ترتيب آمن للموارد وآمين طرق التجارة الدولية الذي يمر عبره ٤٠٪ من حجم تجارة العالم؟

وفي سط ما يحدث لا يجب ان ننسي تصريح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب: بأن أي رصاصة يطلقها الحوثيون ستُعتبر إيرانية يحمل دلالات استراتيجية عميقة، بل ويضع الطرفين في سلة واحدة، وهذا التصريح رسالة مباشرة لإيران ويضعها في مرمى المسؤولية القانونية والعسكرية عن أفعال الحوثيين، مما يمهد الطريق لتبرير أي عمل عسكري ضد طهران إذا استمر التصعيد. كما انه يمثل تغييرا في السياسة الأمريكية الحالية على عكس إدارة بايدن التي ركزت على ردود محدودة ومحسوبة تجاه الحوثيين من جانب وإيران من جانب اخر، يبدو أن ترامب يتبنى نهجًا أكثر حسمًا، يهدف إلى معالجة "السبب" المتمثل في الدعم الإيراني بدلاً من "العرض" في اليمن فقط. فضلا عن ان هذا التصريح قد يكون جزءًا من استراتيجية لإجبار إيران على إعادة تقييم دعمها للحوثيين، أو حتى دفعها إلى طاولة المفاوضات تحت تهديد التصعيد.

وهنا يطرح تساؤل مهم وهو هل هذه بداية لضرب إيران؟ الإجابة تعتمد على عدة عوامل منها، مثلا حقيقة النوايا الأمريكية، إذا كان هدف ترامب هو استعادة الردع في المنطقة، فقد يرى أن ضرب إيران مباشرة ضروري لإنهاء نفوذها عبر وكلائها (الحوثيين، حزب الله، الميليشيات في العراق). اما إذا كان تصريحه مجرد ضغط لاجبار طهران على التفاوض على كل شيئ بما في ذلك ملفها النووي، لانه كما قال سابقا يريد انهاء الحروب، فإن اليمن في هذه الحالة تصبح مجرد ساحة وورقة ضغط ينتهي دورها بالجلوس والتفاوض.

علي كل حال فإن ردود الفعل الإيرانية الصادرة من طهران نفت رسميًا أنها تتحكم مباشرة في قرارات الحوثيين، لكن يظل هذا النفي مجرد "كلام" مع استمرار دعمها العسكري واللوجستي الذي قد يُفسر على الأقل بالنسبة لترامب كتحد للتهديدات الأمريكية، مما يزيد من احتمالات التصعيد، ويزيد من تعقيد المشهد الإقليمي خاصة لإسرائيل، الحليف الوثيق لأمريكا، التي تري ان هناك فرصة قد لا تتكرر نحو ضرب إيران وتدمير برنامجها النووي. وفي الحقيقة ليست تل ابيب فقط هي من تنتظر هذه الفرصة فهناك أطرافا خليجية تعاني من الحوثيين منذ سنوات، قد ترى في هذا التصعيد فرصة لحسم الصراع في اليمن بدعم أمريكي مباشر.

لكن ليس معني ما سبق ان الطريق أصبح ممهدا لضرب إيران، فهذا ليس أمرًا يمكن تنفيذه بسرعة، بل يتطلب تحضيرات عسكرية وسياسية واسعة، ربما تشمل تحالفات دولية ودراسة أعمق للمشهد الدولي اقليما وعربيا واسلاميا. ومؤقتا يمكن اعتبار ان الضربات على اليمن قد تكون اختبارًا أوليًا لردود الفعل الإيرانية والدولية لما هو قادم من سيناريوهات محتملة قد نشهدها مع تطور الأوضاع على الأرض. منها سيناريو التصعيد المحدود: حيث تستمر الضربات على اليمن مع ضغوط دبلوماسية على إيران دون مواجهة مباشرة، بهدف إجبار طهران على تقليص دعمها للحوثيين. او سيناريو الحرب الإقليمية: وهو في حال إذا رد الحوثيون بقوة أكبر علي الضربات الامريكية مستهدفة اسرائيل، أو إذا قدمت واشنطن ادلة دامغة على تدخل إيران المباشر في دعم الحوثي باليمن، في هذه الحالة قد تتسع الضربات لتشمل أهدافًا إيرانية، مما يشعل صراعًا أوسع. اما السيناريو الثالث فهو "التسوية": بان تختار إيران التراجع تكتيكيا لتجنب المواجهة، مما يؤدي إلى تهدئة مؤقتة في اليمن.

الضربات الأمريكية المستمرة على اليمن تمثل مرحلة جديدة من الصراع، تركز على إضعاف الحوثيين كجزء من استراتيجية أوسع لمواجهة النفوذ الإيراني. تصريح ترامب يشير إلى أن اليمن قد يكون مجرد بداية، لكن ضرب إيران مباشرة يظل رهينًا بردود فعل طهران وقرارات واشنطن الاستراتيجية. في الوقت الحالي، يبدو أن الهدف الأساسي هو إعادة ترتيب التوازنات في المنطقة، لكن التحول إلى حرب شاملة مع إيران ليس حتميًا بعد، بل يعتمد على تطورات الأسابيع المقبلة.



تواصل معنا